الاصلاحاتبناء مؤسسات الدولة

هيئة حقوق الإنسان

تمّت صياغة القانون الأساسي المتعلق بإحداث هيئة حقوق الإنسان طبقا لما نص عليه الفصل 128 من الدستور الذي ينص على أن تراقب ” الهيئة احترام الحريات وحقوق الإنسان وتعمل على تعزيزها وتقترح ما تراه لتطوير منظومة حقوق الإنسان وتستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بمجال اختصاصها. تحقّق الهيئة في حالات انتهاك حقوق الإنسان لتسويتها أو إحالتها على الجهات المعنية. وتتكون الهيئة من أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات”. 

والجدير بالذكر أن القانون السابق المنظم للهيئة عدد37- 2008 المؤرخ في 16 جوان 2008 لم يعد متماشيا مع مقتضيات الباب السادس من الدستور الجديد المتعلق بالهيئات الدستورية المستقلة من حيث الصلاحيات، الاستقلالية الإدارية والمالية والتركيبة. كما أنه غير متلائم مع «مبادئ باريس» وهي معايير دولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، علاوة على أنها مصنفة حاليا “ب” طبقا للترتيب الدولي المعتمد للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. 

القانـونالأساسيعدد 10 لسنة 2017 مؤرخفي 7 مارس 2017 المتعلقبالإبلاغعنالفسادوحمايةالمبلغين 

تم إعداد القانون المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين عنه بهدف ضبط ” آليات الإبلاغ عن الفساد الذي يعرّف عادة، بأنه ” كل تصرف مخالف للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل يضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة… “. 

ونظرا للمكانة التي يحظى بها موضوع الإبلاغ عن الفساد على أساس أنه ” قيام كل شخص عن حسن نية، بمدّ السلطات المختصة بمعلومات تمثل قرائن جدية أو تبعث على الاعتقاد جديّا بوجود أعمال فساد قصد الكشف عن مرتكبيها … “، ووعيا بمدى أهميته في تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة، أقرّ الفصل الأوّل من القانون، حقّ المبلّغ عن الفساد في الحماية ضد مختلف أشكال الانتقام التي قد تسلّط عليه بسبب تبليغه عن حالات الفساد، سواء اتّخذ الانتقام من المبلّغ شكل اجراءات تأديبية وبصفة عامة كل اجراء تعسفي في حقه أو شكل اعتداء جسدي أو معنوي أو التهديد بهما، يسلّط ضد المبلّغ أو ضدّ كل شخص وثيق الصّلة به. وهو ما يشكّل ضمانة هامة للتكريس الفعلي للإبلاغ عن الفساد وإرساء الحماية للمبلّغ عنه، على أرض الواقع. ويقرّ القانون أساسا، آليات الإبلاغ عن الفساد بصفة واضحة وجليّة، كما ينصّ وبالخصوص على حماية المبلّغين عن ذلك في القطاعين العام والخاص. 

كما تم الحرص على الأخذ بعين الاعتبار لمقتضيات الفصل 33 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 والتي صادقت عليها بلادنا في 23 سبتمبر 2008، فيما يتعلق بحماية المبلّغين عن الفساد، وذلك “… بتبنّي إجراءات تضمن تبليغ المواطنين عن حالات الفساد دون خشية من الانتقام “.  

ويهدف القانون إلى مكافحة الفساد علاوة على تعزيز مبدأي الشفافية والمساءلة في القطاعين العمومي والخاص ودعم ثقة المواطنين بالهياكل العموميّة والمؤسسات الخاصة ومشاركتهم في وضع سياسات مكافحة كل أشكال الفساد وتنفيذها وتقييمها، وذلك من خلال التنصيص على مجموعة من الإجراءات التّي تشكّل في مجملها منظومة متكاملة تمكّن من ضبط آليات الإبلاغ عن الفساد وحماية المبّلغين عنه بما يضمن تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة.  

وتتكوّن هذه المنظومة من العناصر الأساسية التالية: 

-ضبط شروط وإجراءات الابلاغ عن الفساد الموجب للحماية من خلال تحديد الجهة المختصة بتلقّي الابلاغ علاوة على تحديد صيغه وإجراءاته. 

-توسيع مجال الإبلاغ من خلال إلزام مؤسسات القطاع الخاص بتبني سياسات تيسّر عملية التبليغ عن التجاوزات وتوفّر التكوين للعاملين من أجل ترسيخ ثقافة داخلية تيسّر عمليات الإبلاغ. 

-تحديد شروط وآليات حماية المبّلغ في القطاعين العام والخاص على غرار عدم الكشف عن هويته وبطلان الإجراءات التأديبية المتخذة ضده والإعانة العدلية والقضائية. 

-ضبط العقوبات ضدّ كل من يتعمّد كشف هويّة المبلّغ عن الفساد أو الإبلاغ عن الفساد بصفة كيديّة. 

لذلك كان من الضروري أن يتم إعداد مشروع قانون لهيئة حقوق الإنسان كهيئة دستورية مستقلة يستجيب لمقتضيات الدستور ويضمن الارتقاء بالهيئة من الصنف «ب» إلى الصنف «أ» وفقا للترتيب الدولي المعتمد من المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. 

وقد تم إعداد هذا القانون الأساسي بتشريك الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية وذلك في إطار لجنة فنية أحدثت لدى وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وتضمنت ممثل عن وزارة العدل، ممثل عن مصالح مستشار القانون والتشريع لدى رئيس الحكومة، وخبيرتين في القانون الدستوري. 

وقد اتجه هذا القانون الأساسي في فلسفته العامة إلى منح الهيئة ولاية عامة وشاملة في كل مسائل حقوق الإنسان في بعدها الكوني والشمولي والمترابط والغير قابل للتجزئة لمراقبة احترام حقوق الإنسان وحمايتها وتعزيزها وتطويرها مما انبثق عنها مهام و صلاحيات واسعة في مجال الرصد والمراقبة والتحقيق في الانتهاكات طبقا للدستور، وخاصة صلاحية التعهد التلقائي في كل حالات الانتهاكات، القيام بالزيارات للمؤسسات والهياكل العمومية والخاصة و إجراء التحريات اللازمة، الحق في الاطلاع على كل الملفات والنفاذ إلى المعلومات، وإعداد التقارير والمقترحات وإصدار التوصيات لرفع الانتهاكات، إضافة إلى التنصيص على إجراءات خاصة للتعاطي مع الانتهاكات الخطيرة المتواصلة.  

ولضمان المصداقية والنجاعة والفعالية في تدخل الهيئة، تم وضع اليات لتفعيل توصياتها ومقترحاتها ومتابعة تنفيذها، والتنصيص على أهمية التعاون والتنسيق مع الهياكل الحكومية والأجهزة القضائية، إضافة إلى اعتماد اليات لتحقيق التكامل والتفاعل في العمل بين الهيئة والهيئات الوطنية الأخرى الدستورية والمستقلة أو المتخصصة خاصة الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. 

وتطبيقا لما نص عليه الدستور فقد اتجه القانون الأساسي إلى ضبط شروط الترشح للهيئة واعتماد طريقة واجراءات واضحة لاختيار الأعضاء مع التأكيد على أن تكون موضوعية وشفافة يراعى فيها مبدأ التناصف، النزاهة والاستقلالية والحياد، الكفاءة والخبرة، بما يجسد الاستقلالية المطلوبة في تركيبتها، إضافة إلى ضمان تمثيلية واسعة للقوى الاجتماعية بغاية التنوع وتعدد الاختصاصات في كل المجالات ذات الصلة بحقوق الإنسان والحريات بما يسمح للهيئة إنجاز المهام والأعمال المطلوبة. 

كما نص على أن تتركب الهيئة من مجلس وجهاز إداري يعمل على تنفيذ ما يقرره مجلس الهيئة، إضافة إلى حد أدنى من اللجان المتخصصة في الرصد والتطوير يراعى في تشكيلها مختلف مجالات حقوق الإنسان (الطفل، التمييز، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ذوي الإعاقة..) تماشيا مع خيار منح الهيئة ما تقتضيه استقلاليتها من مرونة في التنظّم، التسيير والتصرف.  

وتجسيما لاستقلالية الهيئة فإنه تم التنصيص في القانون الأساسي على جملة من الضمانات الأساسية كوجوبية تفرغ الرئيس والأعضاء، تمتعهم بالحصانة، وتحجير تتبعهم أو إيقافهم من أجل آراء وأفعال تتعلق بأعمالهم أو ممارسة مهامهم، توفير الحماية لأعضاء الهيئة وأعوانها واعتبارهم موظفين عموميين على معنى الفصل 82 من المجلة الجزائية، إضافة إلى إخضاعهم لعدة واجبات: الحياد، التصريح بالمكاسب، تضارب المصالح، وواجب الحفاظ على السر المهني. وبنفس هذا الحرص على تجسيد الاستقلالية للهيئة فإنه تم ضبط بدقة حالات الإعفاء (كالخطأ الجسيم مثلا) والشغور وتحديد إجراءات واضحة وشفافة لإعفاء الأعضاء (تقرير معلل / أغلبية معززة للإعفاء…).  

وتخضع هيئة حقوق الإنسان كهيئة دستورية المساءلة عن أنشطتها وتدخلاتها أمام المجموعة الوطنية وأمام مجلس نواب الشعب وترفع لمجلس نواب الشعب تقريرا ماليا وتقريرا سنويا للنشاط يتم مناقشته في جلسة عامة وينشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وعلى الموقع الإلكتروني للهيئة. إضافة إلى أنها ترفع تقريرا سنويا حول وضعية حقوق الإنسان والحريات مع التنصيص على امكانية إعداد ونشر الهيئة لتقارير اخرى قطاعية وموضوعاتية. 

إن هيئة حقوق الإنسان باستقلاليتها وحيادها و مهنيتها لها دور أساسي في رصد ومراقبة وتعديل مشهد حقوق الإنسان والحريات في تونس، وفي المعاضدة الفعالة والبناءة لمجهودات الحكومة لاتخاذ التدابير اللازمة للإيفاء بمسؤولياتها في حماية واحترام حقوق الإنسان والحريات، وتقديم المشورة والنصح لها وكل ذلك من خلال مجالات تدخلها الشاملة وما سيسند لها بمقتضى هذا القانون من صلاحيات وأيضا بالتعاون معها ومع مختلف الهيئات المستقلة والمتخصصة في مجال حقوق الإنسان وتيسير عملها، من جهة والتفاعل والالتقاء والتقارب وتنشيط الحوار بين مختلف الفاعلين الحكوميين والمجتمع المدني لحماية وتعزيز حقوق الإنسان من جهة أخرى.  

وقد صدر القانون الأساسي عدد 51 لسنة المتعلق بهيئة حقوق الانسان بتاريخ 29 أكتوبر 2018

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق