الاصلاحاتبناء مؤسسات الدولة

الأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة

احتوى دستور الجمهورية التونسية على باب سادس تحت عنوان “الهيئات الدستورية المستقلة” وهي خمس هيئات: هيئة الانتخابات وهيئة الاتصال السمعي البصري وهيئة حقوق الإنسان وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. وقد كرّس الدستور فصلا مشتركا بين جميع هذه الهيئات هو الفصل 125 الذي ينصّ على ما يلي “تعمل الهيئات الدستورية المستقلة على دعم الديمقراطية. وعلى كافة مؤسسات الدولة تيسير عملها. تتمتع هذه الهيئات بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية وتنتخب من قبل مجلس نوّاب الشعب بأغلبية معزّزة وترفع إليه تقريرا سنويا يناقش بالنسبة إلى كلّ هيئة في جلسة عامة مخصّصة للغرض. يضبط القانون تركيبة هذه الهيئات والتمثيل فيها وطرق انتخابها وتنظيمها وسبل مساءلتها”. 

يقدم هذا الفصل أهداف هذه الهيئات ومبادئ عملها والقواعد المشتركة بينها ويحيل إلى القانون تحديد تركيبتها وتنظيمها وطرق مراقبتها. وتستدعي هذه الوحدة التدخّل التشريعي على مستويين: مستوى أوّل يتعلّق بهذه الوحدة ومستوى ثان يهتمّ بخصائص كلّ هيئة على حدة. وهذا ما يبرّر إعداد قانون أساسي يتعلق بالأحكام المشتركة بين هذه الهيئات. فليس بالإمكان بخصوص مسائل على غاية الأهمية كمفهوم الشخصيّة القانونية واستتباعاها والاستقلاليّة الإدارية والمالية قبول وجود أطر قانونية مختلفة من هيئة إلى أخرى. وإذا اعتبرنا بأنّ هذا الإطار يجب أن يكون موحّدا فقد تم اعتماد مرجع قانوني موحّد عوض تكرار مقتضياته في كلّ قانون خاص بإحدى هذه الهيئات الدستورية المستقلة. 

وتخضع الهيئات الدستورية المستقلة بالخصوص إلى مبادئ دولة القانون والحوكمة الرشيدة والشفافية والنجاعة والنزاهة وحسن التصرف في المال العمومي. كما تحيل قراءة أحكام الفصل 125- أنّ هذه الهيئات تخضع إلى السلطة التشريعية التي تنتخب أعضاءها وترفع إليها تقاريرها السنويّة والمالية فتكون بالتالي مسؤولة أمامها وقابلة في مرحلة ثانية للمساءلة من قبل مجلس نوّاب الشعب. 

وتخضع هذه الهيئات الدستورية المستقلّة لرقابة القضاء الاداري فيما يتعلق بمشروعية قراراتها ولرقابة القضاء العدلي في علاقتها بالغير. وبما أنّ الهيئات الدستورية المستقلّة تعمل بالاعتماد على المال العام فإنّها خاضعة بالأساس إلى رقابة محكمة المحاسبات بمختلف هيئاتها. 

لا شكّ أنّ الهيئات الدستورية المستقلّة لا تمثّل “سلطة” في حدّ ذاتها غير أنّه من الثابت أنّها مستقلّة دستوريّا عن السلطة التنفيذيّة، وتعني هذه الاستقلاليّة أن: 

  • أوّلا، الهيئات الدستورية المستقلّة تمثّل صنفا جديدا من الأشخاص المعنوية العمومية. 
  • ثانيا، الهيئات غير خاضعة للسلطة التنفيذية التي لا يمكنها أن تمارس عليها أيّ سلطة (مباشرة أو غير مباشرة) أو أيّ رقابة سواء كانت رئاسيّة أو رقابة إشراف أو أن تتدخّل في سير أعمالها. 
  • ثالثا، الهيئات لها ميزانيّة مستقلّة عن ميزانية السلطة التنفيذيّة تعدّها بنفسها وتناقشها مع الحكومة وتعرضها على مجلس نوّاب الشعب. 
  • رابعا، الهيئات غير خاضعة للرقابة القبليّة على المصاريف العموميّة. 
  • خامسا، السلطة التنفيذيّة ككلّ مؤسسات الدولة عليها واجب تسهيل عمل هذه الهيئات وتشريكها في كلّ القرارات التي لها تأثير على ميدان اختصاصها. 
  • سادسا، الهيئات مسؤولة وخاضعة للمساءلة من قبل السلطة التشريعية. 
  • سابعا، الهيئات خاضعة لرقابة السلطة القضائية. 

لقد وضع القانون نظاما خاصا بأعضاء الهيئات الدستورية المستقلّة كتحديد القواعد العامة لانتخاب الاعضاء والواجبات المحمولة عليهم وموانع الجمع ونظام التأجير والحصانة وسد الشغور والاعفاء من المهام. 

كما أخضع القانون الهيئات الدستورية المستقلّة في تنظيمها الى قواعد عامة موحدة للتسيير كالفصل بين الاختصاصات الترتيبية للمجلس ورئيسه واختصاصات تنفيذية للجهاز الاداري، احترام قواعد الشفافية، نظام رقابة مالية خاص، قواعد خاصة متعلقة بالميزانية والمحاسبة، نظام أساسي خاص بأعوان الهيئات الدستورية ومدونة سلوك خاصة بأعوان الهيئات.   

وبخصوص منهجية اعداد هذا القانون الاساسي تجدر الاشارة انه بعد استكمال صياغته تم عرضه على استشارة موسعة ضمت كل من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والوزارات والهيئات القائمة والمحكمة الادارية ودائرة المحاسبات وهيئة القضاء العدلي وهيئة مراقبة دستورية القوانين وهيئات الرقابة المالية وهيئة المعطيات الشخصية والمجتمع المدني والسادة نواب مجلس الشعب. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق