الاصلاحاتالاصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية

حماية المعطيات الشخصية

لقد كانت الدّولة التونسيّة سبّاقة إفريقيا وعربيا في إقرار الحق في حماية المعطيات الشخصية دستوريّا وذلك بإصدار القانون الدستوري عدد 51 لسنة 2002 المؤرخ في 1 جوان 2002 والمنقّح للفصل 9 من دستور 1959غرّة جوان، وهي دسترة أكّدها الفصل 24 من دستور الجمهوريّة التونسيّة لسنة 2014، كما أنّها كانت الأسبق من حيث تشريعاتها في تكريس هذا الحقّ وتنظيمه وذلك بإصدار القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المؤرخ في 27 جويلية 2004، وهو النص الساري المفعول حاليا. غير أن هذا النص تجاوزته الأحداث إقليميا ودوليا بالنظر إلى التطورات التي شهدها مجال حماية المعطيات الشخصية خاصّة على المستوى الأوروبي حيث يعتبر الفضاء الأوروبي رائدا في هذا المجال، ولذلك تحتم إصدار قانون أساسي جديد يواكب هذه التطورات، وهو توجّه أملته عدة اعتبارات منها بالخصوص: 

ــ انضمام تونس إلى الاتفاقية رقم 108 للمجلس الأوروبي المتعلقة بحماية الأشخاص تجاه المعالجة الآلية للمعطيات الشخصية، وإلى بروتوكولها الإضافي رقم 181 الخاص بسلطات المراقبة وانسياب وتدفق المعطيات عبر الحدود، وذلك بمقتضى القانون الأساسي عدد 42 لسنة 2017 المؤرخ في 30 ماي 2017، وتمت المصادقة على هذا الانضمام بموجب الأمر الرئاسي عدد 75 لسنة 2017 المؤرخ في 30 ماي 2017. 

ـ صدور اللائحة التنظيمية الأوروبية رقم 967/2016 التي تدخل حيز النّفاذ في المجال الأوروبيّ في 25 ماي 2018 والتي ستنطبق بصفة آلية على مستوى الدول الـ 47 معوّضا بالتّالي التشريعات الوطنية السارية في تلك الدول. 

     واعتبارا من ذلك التاريخ، ستوفر المنطقة الأوروبية حماية عليا للمعطيات الشخصية، ولهذا السبب، سيتخذ الاتحاد الأوروبي تدابير صارمة للغاية في خصوص نقل معطيات تتعلّق بالأشخاص من أيّ دولة عضوة به أو إليها وستسحب بالتّالي تلك المقتضيات على تعاملات هذه الدّول عند تبادل المعطيات الشخصيّة مع الّدول الخارجة عن الفضاء الأوروبي. وبالتالي، فإنّه من المتّجه أن ترتقي تونس قبل هذا الموعد النهائي إلى مستوى الحماية الذي يوفره الاتحاد الأوروبي أو على الأقل أن تتلاءم معه لضمان عدم استبعادها من التعامل مع هذا الفضاء لما لهذه المسألة من ارتباط وثيق بفرص الاستثمار وبالمبادلات الاقتصادية وبمجال تكنولوجيا الاتّصال وانسياب المعلومات، وبالتحديد مع الدّول الأكثر شراكة مع تونس. 

وفي هذا السياق العام، يكون من الأصلح لتونس إرساء إطار تشريعيّ جديد لحماية المعطيات الشخصية وفقا للمعايير الفضلى وبما يمكّن من دعم القدرة التنافسيّة للاقتصاد التونسي خصوصا في المجالات المذكورة أعلاه وبما يضمن له إمكانيّات اوفر لجلب الاستثمارات الأجنبيّة في المجالات الخدماتيّة.  

تمّ الاعتماد عند إعداد مشروع القانون الأساسي على القانون الأساسي الحالي المتعلّق بحماية المعطيات الشّخصيّة مع تطوير مقتضياته وفقا لاتّفاقيّة المجلس الأوروبيّ عدد 108وبروتوكولها الإضافي رقم 181 واللائحة التنظيمية الأوروبية رقم 967/2016. 

تتمحور أهمّ ملامح مشروع القانون حول المبرّرات التالية: 

  • التطور الهائل والمستمر لتقنيات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال والذي يطرح تحديات جديدة في معالجة المعطيات الشخصية ويستدعي وضع قواعد جديدة لحمايتها من المخاطر التي تحفّ بها وتهدّد بالتالي حريات وحقوق الأفراد، على غرار شبكة الإنترنت، والهواتف النقالة، واللّوحات الالكترونيّة، والأجهزة المتصلة والإيواء السحابي و”البيانات الضخمة” (Big data ) وهي كلها مسائل تقنية يجب على التّشريع التونسي أن يستوعبها ويؤطّرها قانونيّا. 
  • التخلي عن اشتراط الجنسية التونسية في الذّوات الطبيعية أو المعنوية لممارسة نشاط معالجة المعطيات الشخصية، باعتبار وأنّ هذا الشرط تجاوزته الأحداث ومن شأنه أن يفوّت على تونس ودون وجه حق، الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع الواعد. 
  • إخضاع الأشخاص العموميين إلى نظام عام لحماية المعطيات الشخصية، باعتبار وأن القانون الحالي قد وضع إعفاء شبه تامّ للذوات العمومية من المراقبة، إذ لا تخضع لإجراءات الإعلام أو الترخيص، كما أنها غير ملزمة باحترام الحق في النفاذ إلى المعطيات وتصحيحها و هذا ما تداركه مشروع القانون الأساسي في خصوص كافّة الهياكل العموميّة مع مراعاة خصوصيّة البعض منها في علاقة بمقتضيات الأمن العام و الدّفاع الوطني مثلما يبرز من خلال أحكام فصوله 2 و 33  و53 و ذلك باستثنائها من النّظام العام للمعالجة وبإقرار معالجتها للمعطيات الشّخصيّة في إطار نظام خاصّ تضبطه القوانين ذات العلاقة. ويسند مشروع القانون الأساسي الترخيص للأشخاص العموميين أو السلط العمومية بمقتضى أمر حكومي بعد أخذ رأي الهيئة. 
  • تعيين مكلّف بحماية المعطيات الشخصية صلب الهياكل المسؤولة عن المعالجة قصد تيسير حق التّعامل معها من قبل المعنيّين بمعالجة معطياتهم الشّخصيّة وضمان حقّ نفاذهم لها مع تأمين السلامة القصوى عند المعالجة. 
  • إقرار الحق في النفاذ غير المباشر للمعطيات الشّخصيّة فيما يتعلق بالمعالجات ذات الصلة بالأمن الوطني والدفاع الوطني وبالتتبعات القضائية والصحة، وفق شروط وإجراءات ضبطها مشروع القانون الاساسيّ وتحت مراقبة الهيئة. 
  • تحجير إحالة المعطيات الشخصية إلى الغير دون موافقة الشخص المعني بالمعالجة، إلا إذا كانت المعطيات موضوع الإحالة ضرورية لتنفيذ المهام الموكلة إلى السلطات العمومية في إطار الأمن العام أو الدفاع الوطني أو المصالح النقدية للدولة، أو إذا اتضح أنها ضرورية للقيام بالتتبعات الجزائية طبقا للتّشريع الجاري بها العمل. 
  • إرساء إطار قانوني ينظم اعتماد منظومتي المراقبة البصريّة للطريق العام بالكاميرات المركزة والكاميرات المحمولة وهي مسألة ضرورية في إطار التحديات المطروحة في بلدنا. ويتضمن المشروع أحكاما تمكّن الأشخاص العموميين المكلفين بالأمن والدفاع فحسب من هذا النوع من المراقبة البصرية. 
  • وضع الإطار التشريعي العام “للمعرف الوحيد للمواطن” الذي بصدد التركيز بتنسيق بين وزارة الشؤون المحلية والبيئة والمركز الوطني للإعلامية بما يسهّل على المواطن تعاملاته الإداريّة اليوميّة وبما يمكّن من تقليص آجال تمكين الإدارة المواطنين من العديد من الوثائق والخدمات وذلك بالنّظر من تجميع المعطيات صلب هذا السجّل مع إقرار استعمالها تحت رقابة هيئة حماية المعطيات الشخصية. 
  • تعويض الهيئة الوطنيّة لحماية المعطيات الشخصيّة الحاليّة بهيئة حماية المعطيات الشخصية مع إرساء دعائم استقلاليّتها من حيث تركيبتها وطرق سيرها وميزانيتها وذلك مواكبة لما هو معمول به في التجارب المقارنة والاتفاقية رقم 108 واللائحة التنظيمية الأوروبية رقم 2016/967 وذلك بمنحها: 

 أولا: صلاحيّة قضائية باعتبارها هيئة قضائية ابتدائيّة الدّرجة تصدر عقوبات إدارية مالية يتمّ استئنافها أمام المحكمة الإداريّة الاستئنافيّة بتونس. 

 ثانيا: صلاحيّة تقريرية تتمثل في إعداد توصيات وفي إصدار قرارات باعتبارها سلطة تعديلية في مجال حماية المعطيات الشخصية ويتمّ الطّعن في مختلف قراراتها فيما عدى القضائيّة منها بدعوى تجاوز السّلطة أمام المحكمة الإداريّة الابتدائيّة بتونس. 

 ثالثا: صلاحيّة استشارية في ذات المجال. 

  • التقليص في العقوبات السالبة للحرية وجعلها تقتصر على الجرائم الخطيرة التي لها مساس بالأمن العام أو الدفاع الوطني مثل تحويل المعطيات الشخصية إلى الخارج أو إحالة المعطيات الشخصية الحساسة المتعلقة بالصحة أو بالسجّل العدلي مع اعتماد التّشديد في العقوبات الماليّة. 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق