الاصلاحاتالاصلاحات الاجتماعية

إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي

تم تجسيد هذا الاصلاح بمقتضى القانون عدد 37 لسنة 2019 المؤرخ في 30 أفريل 2019 والمتعلق بتنقيح واتمام القانون عدد12 لسنة 985 المؤرخ في 5 مارس 1985 والمتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي.

إن المحافظة على التوازنات الماليّة لأنظمة الضمان الاجتماعي سواء في القطاع العمومي أو القطاع الخاص تعتبر من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها السياسة الاجتماعية في تونس باعتبارها خير ضامن لديمومة هذه الأنظمة وللحفاظ على المكاسب المحققة وبالنظر إلى البعد المجتمعي لقطاع الضمان الاجتماعي وعلاقته بالأجيال المتعاقبة ودوره المهيكلة في تمويل الاقتصاد.

وقد أفضى اختلال التوازن المالي لأنظمة التقاعد في القطاع العمومي إلى جملة من النتائج:

  • بروز ضغوطات حادة على مستوى حاجيات الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية من السيولة وتخلفه عن دفع المستحقات الراجعة للصندوق الوطني للتامين على المرض بعنوان الاشتراكات وتوابعها وتراكمها لتصل إلى 1504 م د في موفى شهر ديسمبر 2018،
  • تراكم حجم التعهدات غير الخالصة للصندوق الوطني للتامين على المرض لتصل إلى 1219 م د في موفى شهر ديسمبر 2018 وتتعلق بمستحقات مسدي الخدمات الصحية في القطاعين العمومي والخاص.
  • عدم كفاية الاحتياطيات المالية المتوفرة لدى الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية التي لا تتطابق مع المعايير الدولية المعتمدة من قبل منظمة العمل الدولية التي تفرض أن تكون الاحتياطيات المتوفرة لدى هياكل الضمان الاجتماعي كافية لتغطية نفقات 36 شهرا من منافع الجرايات.

وبغرض الحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التقاعد في القطاع العمومي، تم اتخاذ العديد من الإجراءات منذ سنة 1994تمثلت خاصة في:

  • الترفيع في نسب الاشتراك بعنوان أنظمة التقاعد على مراحل طيلة الفترة الممتدة من سنة 1994 إلى سنة 2011،
  • تضييق مجال الإحالة على التقاعد المبكر بطلب من العون وذلك بإحداث لجنة على مستوى الوزارة الأولى للنظر في الملفات المدلى بها وللترخيص في الإحالات على التقاعد المبكر التي تبررها أسباب صحية أو ظروف اجتماعية دون غيرها،
  • تكفل صندوق إعادة هيكلة رأس مال المؤسسات والمنشآت ذات المساهمات العمومية بتكلفة إحالة بعض أعوان هذه المؤسسات على التقاعد المبكر في إطار عمليات التطهير،
  • تكفل ميزانية الدولة بعجز الأنظمة الخصوصية للتقاعد (أعضاء الحكومة وأعضاء مجلسي النواب والمستشارين والولاة)،
  • الترفيع في سن التقاعد المبكر بطلب من العون ومراجعة شرطي السن والأقدمية 55/35 سنة في القطاع العمومي ليصبحا 57/37 سنة،

العوامل التي أدت إلى عجز أنظمة التقاعد في القطاع العمومي

ويعزى العجز المسجل على مستوى أنظمة التقاعد في القطاع العمومي الى جملة من العوامل الهيكلية منها ما هو مرتبط بتحولات عميقة على المستويين الديمغرافي والاقتصادي تزامنت مع الشروع في تطبيق هذه الأنظمة وأثرت بشكل مباشر على توازناتها المالية ومنها ما هو متصل بخصائص هذه الأنظمة ومقوماتها وعناصرها الأساسية. وتتمثل العناصر الديمغرافية أساسا في:

• تغير التركيبة العمرية للمنخرطين المباشرين واتجاهها نحو التهرم وبالتالي تزايد عدد المحالين على التقاعد سنويا الذي تطور من 3100 متقاعد سنة 1985 إلى حوالي 18544 متقاعد سنة 2016،

• تراجع المؤشر الديمغرافي من 5,9 منخرط نشيط عن كل منتفع بجراية سنة 1985 إلى 3,8 سنة 1995 وإلى 2,47 سنة 2016،

تحسن أمل الحياة عند الولادة ليبلغ 75 عاما حاليا في حين كان لا يتجاوز 64 عاما سنة 1982 مما جعل متوسط مدّة الانتفاع بالجراية أطول مما كان عليه سابقا.

والى جانب هذه العوامل الديمغرافية فإن هناك عوامل أخرى ساهمت في اختلال التوازنات المالية لأنظمة التقاعد في القطاع العمومي لعل أهمها:

– دمج صندوق التقاعد للمصالح العمومية للكهرباء والغاز والنقل سابقا ضمن الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية منذ سنة 1998 وتحمله بالتالي للعجز الهيكلي المالي لهذا الصندوق باعتبار أن المؤشر الديمغرافي لمنخرطي الصندوق المنحل كان في حدود 2 منخرط نشيط عن كل منتفع بجراية، في حين أن المؤشر الديمغرافي لمنخرطي الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية كان في حدود 4 منخرط نشيط عن كل منتفع بجراية،

– تطبيق مخطط الإصلاح الهيكلي بداية من سنة 1986 ودفع نسق المبادرة الخاصة مما أدى إلى التقليص بشكل ملحوظ في الانتدابات في القطاع العمومي وتخلي الدولة عن بعض المجالات الاقتصادية لفائدة القطاع الخاص،

– إحالة أعداد هامة من الأعوان على التقاعد المبكر في إطار تطهير وإعادة هيكلة المنشآت العمومية وهو ما أثر سلبا على موارد الصندوق باعتبار النقص الحاصل في مساهمات هؤلاء الأعوان، وعلى نفقاته أيضا باعتبار الانتفاع الفوري بالجراية،

كما ساهمت الخصائص الفنية لأنظمة التقاعد في تفاقم العجز حيث يمنح القانون عدد 12 لسنة 1985 المؤرخ في 5 مارس 1985 المنظم لجرايات تقاعد المدنيين والعسكريين في القطاع العمومي امتيازات هامة من ذلك:

– احتساب الجراية على أساس آخر أجر أو أعلى أجر تقاضاه المنخرط خلال حياته المهنية لمدة سنتين متتاليتين،

– اعتماد طريقة التعديل الآلي للجرايات والمتمثلة في مراجعة الجراية كلما أقرت زيادة في الأجور للمنخرط النشيط ، وذلك خلافا لما هو معمول به سواء في القطاع الخاص الذي يعتمد نسبة الزيادة في الأجر الأدنى المضمون أو في بعض البلدان التي تعتمد إما نسبة التضخم ، أو نسبة النمو الاقتصادي أو النسبة الصافية لتطور الأجور،

– إمكانية بلوغ مبلغ الجراية 90 % من الأجر المعتمد لاحتسابها، خلافا لما هو معمول به في بعض البلدان التي لا تتجاوز نسبة الجراية بها 70 %،

– التمتع الفوري بالجراية في سنّ الـ 55 سنة بالنسبة لبعض الأصناف من الأعوان على غرار أعوان السلك النشيط من قوات الأمن الداخلي والحرس الوطني والحماية المدنية والديوانة، وبعض أصناف شركات النقل، وكذلك المعلمين، وأعوان البحرية التجارية، والممرضين، وأعوان التنظيف، وأعوان التطهير،

– انتفاع هذه الأصناف بالتنفيل وهو ما يعنى إضافة سنوات أقدمية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات إلى سنوات العمل الفعلية (40 % من المنتفعين بجراية حاليا في القطاع العمومي يتمتعون بالتنفيل وبمتوسط أقدمية يقدر بـ 4 سنوات إضافية)،

– التمتع الفوري بالجراية في سنّ مبكرة جدا بالنسبة للعسكريين، وهو ما يعبر عنه بالإحالة على التقاعد من أجل بلوغ الاقدمية العسكرية، والتي تتراوح بين 20 و 25 و 30 سنة حسب الصنف الذي ينتمي إليه المنخرط ( معدل سن الإحالة بالنسبة لهذا السبب لا يتجاوز سن 45 عاما) مع تمتيعهم بالتنفيل وهو ما يعني إضافة المدة الفاصلة بين سن الإحالة على التقاعد والسن القانونية للتقاعد ( 50 أو 55 أو58 سنة حسب الرتبة العسكرية) للأقدمية الفعلية المحتسبة في تصفية الجراية.

  • تحميل المنتفعين بجراية لكامل المساهمات المنجرة عن التعديل الآلي للجرايات بما في ذلك المساهمات المحمولة على كاهل المشغل بهذا العنوان،
  • اتخاذ جملة من الإجراءات لمجابهة احتياجات السيولة المالية للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (تخصيص اعتمادات مالية في حدود 300 م د على مستوى قانون المالية التكميلي لسنة 2016 واعتمادات مالية بـ 500 م د على مستوى قانون المالية لسنة 2017 لفائدة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية).

ولئن مكنت هذه الإجراءات من مواصلة ايفاء الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية بتعهداته تجاه منظوريه إلا أن أفق هذه الإجراءات يظل محدودا باعتبار أن العجز الذي يعرفه الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية يعتبر عجزا هيكليا بامتياز مرتبط بالأساس بجملة من الأسباب الموضوعية.

وفي هذا الإطار، ووعيا منها بخطورة أزمة الصناديق الاجتماعية خاصة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية وسعيا إلى بلورة رؤية منسجمة لإصلاح أنظمة التقاعد، وتنزيل الإصلاحات الضرورية لمنظومة التقاعد بحيث تكون قابلة للتطبيق وواقعية وعادلة ومتوازنة، وتأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على حقوق ومصالح الأجيال القادمة، عقدت اللجنة الفرعية للحماية الاجتماعية المحدثة بمقتضى العقد الاجتماعي والمكلفة بالمراجعة الشاملة لأنظمة الضمان الاجتماعي سلسلة من الاجتماعات المكثفة سنتي 2016 و2017 خصصت بالأساس لدراسات الخيارات الممكنة لإصلاح أنظمة التقاعد في القطاعين العمومي والخاص

كما تم الاتفاق صلب اللجنة الفرعية للحماية الاجتماعية على إحداث مساهمة اجتماعية تضامنية وذلك في إطار تنويع مصادر تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي مثلما ورد بالعقد الاجتماعي وإحداث مجلس أعلى لتمويل الحماية الاجتماعية، هذا بالإضافة إلى ضرورة إسناد الإصلاح المقياسي لأنظمة التقاعد بجملة من الرافعات والإجراءات المصاحبة الأخرى على غرار تطوير حوكمة الصناديق وتحسين الاستخلاص وتوسيع التغطية الاجتماعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق